المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة مع العراق


الاعزب
13-01-2004, 14:57
لا شك بان الوضع القائم في العراق يستحق معه وقفة ان لم نقل وقفات لندرك المأسي التي يعيشها اهله والمفارقات التي يحيونها علنا نتلمس طريقا للخروج منها. لقد وقع العراق اسيرا بين يدي الدول الراسمالية الكبرى امريكا وبريطانيا وهو يرزح الان تحت نير الاحتلال الاستعماري الاجنبي المباشر‘ في وقت ظن فيه العالم ان الاستعمار بات جزءا من الماضي وانه ولّىّالى غير رجعة. واذ بنا نشاهد الدول الاستعمارية الكبرى تتنادى من اطراف الكرة الارضية لتفترس العراق وتلتهم ثرواته في وضح النهار.

ان المتابع للاحداث الدائرة في العراق بعد ان دخل دائرة النار التي فرضته عليه ما يسمى بدول التحالف بقيادة بريطانيا وامريكا يلحظ امورا تعد من المفارقات حقا. ولعل المفارقة الاولى التي ينبغي التوقف عندها هو كيف يتم خطف العراق هكذا وبهذه السهولة بينما يقع في قلب العالم العربي والاسلامي‘ فلو كان جزيرة نائية قابعة في عرض المحيطات او حتى لو كان احد البلدان الواقعة على شواطئ الاطلسي كما يقع المغرب و ساحل العاج لاستطعنا ان نستوعب وان نعي ما جرى‘ ولكن العراق الرابض في عمق لا يمكن الوصول اليه وابتلاعه الا اذا دُعِم هذا الاستيلاء وهذا الاحتلال من قبل الانظمة المهيمنة على العالم العربي والاسلامي ابتداء من المغرب ومرورا بمصر والسعودية واليمن وايران وغيرها من انظمة الحكم في العالم العربي والاسلامي التي وكما ظهر جليا انها مدت البساط الاحمر امام اساطيل اميركا وبريطانيا وحلفاءهما.

ومفارقة اخرى قد لا تقل اهمية عن الاولى وهي تتعلق بمجلس الحكم المعين من الاحتلال الأميركي المسيطر فعليا على العراق ، وبالحكومة العراقية الجديدة التي ادت اليمين الدستوري امام المندوب السامي الامريكي بول بريمر.

فمجلس الحكم الذي يمثل "زعماء" العراق حاليا "زعماء" المعارضة العراقية سابقا ما فتئ ينكر على النظام السابق ارتهانه لامريكا ورضوخه لابتزازاتها المتتالية وارتباطه بها وبسياساتها‘ حتى اصبح من المسلمات لدى اغلبهم ان نظام صدام ما جيء به الى الحكم الا لخدمة اهداف امريكا وبريطانيا في العالم العربي. وهذا ما كان يصرحون به حتى بحت اصواتهم وهذا ما كان يكتبونه حتى جفت اقلامهم وهذا ما كان يكتلون الناس عنه بحجة التخلص من عميل الغرب ونظامه البعثي في العراق ليعود العراق لاهله عزيزا كريما!!

فمفهوم ان نظام صدام هو صنيعة امريكا في المنطقة وانه منذ ان أُتِيَ به الى السلطة وهو يقدم الخدمات الجليلة لها بات بديهيا لدى هؤلاء "الزعماء".فقد خاض حربا ضروسا غلبت حرب البسوس لمدة ثمانية اعوام مع جاره المسلم ايران لتستنفع مصانع السلاح في الغرب، والتي كانت تزود السلاح بكل سخاء لكلٍ من البلدين - العراق وايران- وعلى حد سواء حتى لا تميل كفة الحرب لاحدهما فتحسم وتقف الارباح الطائلة التي كانت تدخل حسابات اصحاب رؤوس الاموال المرتبطين بصناعة القرار في تلك البلدان‘ اضافة الى زرع الشقاق و الفرقة بين المسلمين عربا وفرسا سنة وشيعة . وليزيد النظام مكارمه قام بالخدمة الجليلة والحادثة الفريدة بعد ذلك اذ قام نظام صدام باحتلال الكويت وكانت خطوة فريدة ادخلت فيها المنطقة كلها في حالة من التيه والانقسام وكان اثرها كارثيا تماما على العالمين العربي والاسلامي اذ انها أدّت إلى سيطرة منقطعة النظير للولايات المتحدة الامريكية على المنطقة فحضرت بخيلها ورجالها لترسخ نفوذها فيها ولتُطبِق عليها تماما في وقت لاحق كما شاهدنا. كما كان يتعلل هؤلاء المعارضون سابقا الحاكمون! حاليا بان الحصار الذي فرض على العراق لمدة اثني عشر عاما كان مخططا امريكيا لانهاك قوى العراق وتقوية نظام صدام حسين المرتبط بهم! وعلى حسب اعتباراتهم ان امريكا لم تتخلص من نظام صدام الا بعد ان استنفدت اغراضها تماما منه وبعد ان اعطاها الفرص الذهبية لتكبيل المنطقة وفرض الهيمنة المباشرة عليها حتى وصل الحال الى ان يكون حاكم العراق الحالي هو الامريكي بول بريمر.

وبغض النظر عن دقة التحليل السياسي في هذا الشأن فإنّ مبتغانا في هذه المقالة هو التذكير بأنّ "زعماء" المعارضة كانوا يقرّون بعداء الولايات المتحدة الامريكية للعراق و للعرب وللمسلمين وبانها هي من اتى بصدام الى الحكم ليذيق اهل العراق مرارة العيش ولكي يكون اداة تستعمل في تحقيق مصالح امريكا في المنطقة.

وامام هذه النظرة يحق للمراقب ان تصيبه بالدهشة وان تتملكه الحيرة وهو يرى معارضي نظام صدام ومن وقف وراء صدام بالأمس هم انفسهم اليوم من يسلكون نفس سلوكه ويتبنون نفس سياسة القبول بالهيمنة والانقياد والتبعية لنفس الدولة التي كانت تقف بدعواهم وراء نظام صدام حسين الذي هلك الحرث والنسل على يديه بفضل خدماته الجليلة للغرب. فهاهم اليوم يلحون علينا جهاراً نهاراً بدعواتهم لاقناعنا بان امريكا شيطان الامس قد تحولت الى ملاك قدم قاطعا البحار والصحارى ليحرر البلاد والعباد من طاغية مستبد ظلوا يزعمون طويلاً أنها هي التي فرضته على رقاب الناس ليذيقهم مرارة العيش!

وبعد ان كانت الولايات المتحدة عدوا استراتيجيا اصبحت حليفا لا يمكن الاستغناء عنه‘ حتى ان الرئيس الحالي لمجلس الحكم الانتقالي في العراق احمد الشلبي اخذ يدعو صراحةً وعلانية من غير لَبسٍ ولا إبهام - وليس في الغرف المغلقة او من وراء الكواليس كما كانوا ينسبون ذلك للنظام السابق - الى ايجاد قواعد عسكرية دائمة للولايات المتحدة الامريكية في العراق لان هذه هي مصلحة العراق ومصلحة العراقيين!!

كما اخذ الذين طالما تغنوا بالثورة الحسينية على الطغاة والطغيان وطالما جلجلت حناجرهم بشعارات" امريكا الشيطان الاكبر" تراهم اليوم سدنة هذا الشيطان‘ وفي احسن الحالات نراهم يدعون الى الصراع السلمي معه، في الوقت الذي سالت وما زالت تسيل دماء ابناء العراق ساخنة على ايدي هذا المحتل المستعمرالذي ذاقت الامة الذل والمهانة والمرار على يديه في العراق وافغانستان وفلسطين.

بل واكثر من ذلك، وهذا مما يذهب العقل ويحار له الفؤاد، هو مهاجمة هذه الفئة ممن يتصدر زعامة هذا البلد الاسير للمقاتلين الشرفاء الذين يدافعون عن اعراضهم ودمائهم واموالهم ودينهم ووقفوا وما زالوا واقفين للامريكان بالمرصاد بعتاد متواضع ولكن بهمة وصلابة عالية حار معها الامريكان وحلفاؤهم وباتوا يشعرون بانهم في مأزق حقيقي فاخذوا يطلبون المساندة الدولية من الشرق والغرب كما طالبت الادارة الامريكية من الكونغرس الموافقة على منحها مبلغ 87 مليار دولار اضافية لوضع حد لنزيفهم في العراق. فها نحن نرى هذه الفئة تشنّ حرباً اعلامية دعائية ضد هؤلاء المقاتلين، حيث تصفهم بالارهاب والتطرف والقتلة والمرتزقة!؟ يصنعون ذلك انسجاماً مع سياسة عدو الامس حليف اليوم .

لا شك ان من حق المرء ان يعجب وان يدهش! ولا ادري احقا ان هذه الزعامة الجديدة للعراق - التي ارتضت لنفسها ركوب القطار الذي نزل منه صدام بعد ان قاده في خدمة اعداء الامة عقودا عديدة - تغفل حقيقة امريكا ومكر امريكا وحليفتها بريطانيا ليلقوا انفسهم باحضانها بشكل مهين معيب‘ فيتحولوا الى سماسرة ليسوقوا مشاريع امريكا وبريطانيا في العراق والمنطقة؟ وهل يصدق بعض هؤلاء ممن يرفع شعار الاسلام وشعار الاستقلال انهم سيضحكون على امريكا بمسايرتهم لها والسير معها وانهم يستخدمونها لحاجة في نفس يعقوب حتى يتمكنوا من الكرسي والمنصب ثم يديروا لها ظهر المجن. ام ان هؤلاء جميعا قد غلب عليهم عشق الكرسي الذي حرمهم اياه صدام وسئموا الكفاح في وقتٍ يتسابق الجميع لنيل رضى امريكا.

ألا يعي هؤلاء ان التعاطي الايجابي مع المستعمر المحتل ما هو الا ارتباط وعمالة؟ ألا يعي هؤلاء انهم بافعالهم هذه انما يرهنون مستقبل العراق بسوق النخاسة الجديد الذي لا يدري احد كيف سيتم التحرر منه بعد ان يشرّع هؤلاء كل قيد تريده امريكا وبريطانيا على رقبة اهل العراق لتضمن صب ثروات البلد وامكانياته الضخمة في صالحهما!

فكيف تريد هذه الهيئة الشكلية للحكم في العراق - بعد كل هذا التاريخ والحاضر المرير مع امريكا وبريطانيا - تبرير ارتمائها باحضان بول بريمر وانتظار مباركته لقراراتها التي يجب ان تراعي اولا وقبل كل شيء مصالح الغازي المحتل؟

هل تتصور هذه الزعامات ان ركوبها القطار الامريكي الذي يقوده بريمر سينقذ العراق وانه سيسلك بشعب العراق سكة الخلاص وانه سيوصله الى بر الامان! وهل تتصور هذه الزعامات الجديدة للعراق انها، باتهامها لمن بقي لديهم احساس بالكرامة والشرف وضرورة مقاتلة المحتل الاجنبي للعراق العزيز ووجوب جهاده بانهم مرتزقة وفلول ومتطرفون وما شاكل، هل تظنّ أنها بذلك تحقق مصلحة للعراق ولاهل العراق؟

لا شك ان الانسان فيه قابلية التعرض للتغير وفيه قابلية ان يعيد التفكير من جديد ولكن ليس الى حالة انقلاب جماعية عن مفاهيم مبدئية طالما كانت تشكل الاساس في العمل للخلاص من الحالة المزرية التي تعيشها الامة.

فعندما تريدنا هذه الزعامات ان نصدق بان امريكا باتت الصديق الصدوق، وان محاربها هو القاتل المأجور، وان امريكا هي باب الخير، بينما عداؤها باب من ابواب الشر، لا شك بانها تكون ساذجة‘ لان ما فعلته وتفعله امريكا وحليفتها بريطانيا بهذه الامة لا يمكن نسيان بشاعته‘ وخاصة ان الجراح ما زالت تنزف وان الالام ما زالت تسفك على ايديهم ‘ وان هذه الزعامات ستفقد كل مصداقية لها اذا ما استمرأت الارتماء في أحضان العدو! وان على اعضاء هذا المجلس ان يثوبوا الى رشدهم قبل ان يفوت الأوان ولات ساعة مندم! فليعودوا الى امتهم والى ربهم ودينهم والى القيم التي يفرضها الانتماء الى امة صاحبة رسالة وصاحبة حضارة من عدم قبول الدنية والمذلة والهوان وليتذكروا قول خبيب

ولست ابالي حين أُقتَلُ مسلما == على اي جنب كان في الله مصرعي
وانه في ذات الاله وان يشأ == يبارك على اوصال شلوٍ ممزع

وليتذكر هؤلاء انهم ان استمروا في ما هم عليه الان يكونون قد اصروا على السقوط وسيكون مصيرهم الخزي والعار كمصير سلفهم في هذه الدنيا اضافة الى لعنة الامة والهلاك المحقق في الاخرة.
نقلا عن [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
للتعلق على هذا الموضوع انا حاضر وشكرا لكم جميعا

القرصان
14-01-2004, 00:53
السلام عليكم

مشكور اخوي الاعزب على المشاركة الطيبة والموضوع المميز

تسلم عليه

تحياتي لكم

القرصان الخيالي

اوبرا
14-01-2004, 15:47
مشكوووووور اخوي على هذه المشاركه


وانشاءالله تكون الردود هنااخوي





تحياتي ...........